طفولة كهلة


 طفولة ولدت لتكون كهلة ، على محياها ، تجاعيد عميقة ، جسدها النحيف متلحف البياض ، تجهل ارتداءها الدائم له ، وتجهل ماهية الكوابيس التي تراودها : كوابيس الأرقام ودقات الساعات...
طفولة ارتدت جسدا لا يخصها لم ترغب يوما هذا الجسد الكهل ، ولا حتى الشاب . رغبتها جامحة لمغادرة سجنها وعيش صباها ، تعلم أن تورثها هاته دون جدوى ، أ و ليست كهلة ؟ .
لا تكل من طرح أسئلة تلوى الأخرى على جسدها الصامت ، باحثة عن شعاع ضوء يقودها من عالمها المعتم المبهم إلى عالم مضاء وواضح .
فصباها كشبابها ككهولتها لايمنعها من أن تعيش على سجيتها ، تعشق أحلام اليقظة ففي أحلامها تعيش صباها ، ترمي جسدها الثقيل عندما يكون منهكا للحظات ، تطلق خلالها العنان لمخيلتها ، تارة تبحر وتارة تحلق وأخرى تحبو ، دون قيود الجسد ، لا ترى البياض ولا الأرقام ، ولا تسمع دقات الساعات ، تلهو وتلهو ... وسط ألوان الطبيعة تعيش سعادتها وحريتها المطلقة لحظة بلحظة.
حين استيفاقها من أحلام اليقظة تعود إلى الجسد الكهل ، مكرهة وتعود إلى طرح الأسئلة ...أسئلة عن البياض ، وكوابيس الأرقام ودقات الساعات . تعلم جيدا أن هذا الجسد الثقيل المنهك يعرف الكثير . أ و ليست كهلة ؟ .
بدأت تتعب من صمته وسلبيته ، و لم يتعب هو منها ، فرح بحملها داخله ، ألف شقاوتها ، وحين يشتد حنينها لصباها يتركها تمرح داخله . لم يجرؤ يوما على إجابتها وفك رموز كوابيسها رأفة بصباها ، فهما موعودان معا بعذاب الكوابيس وقدر الأرقام ودقات الساعات والبياض .

تعليقات

  1. انك رائعة حبيبتي! مشاعر واحاسيس جميلة !

    ردحذف
  2. أحببت أسلوبك و تفاصيل سردك

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقاتكم دعم وتشجيع لنا فلا تبخلوا علينا بها

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين المهجة والفطنة تكمن حكاية

اللاوداع ولا أمل في اللقاء

يا لها من بغتة