بين المهجة والفطنة تكمن حكاية






،ضعف الجسد من المشادات الكلامية واللامبالاة بعواقبهما، وكل من التكبيل بخيوط كان يظنها وهمية ، ومجرد لعبة سخيفة لكنها بدأت تؤلمه وتخلف نذوبا لا تنمحي من قوة الشد ،ففطن أن الخيوط هي قيود التحكم والخنوع.
أما آن لهذا الجسد المنهك أن يرتاح من سجالكما الصاخب ، وتتوقف لعبة التدافع مبطنة بالتحدي والمنازعة لإتباث صواب الرأي.
أما أزف الوقت للعجيج أن ينجلي ، فمبالغتكما الأنانية غيبت إدراككما العميق لحقيقة المكان الذي يجمعكما ، وجعلتكما تعجزان عن التمييز ، فتحول الصراع إلى شد وجذب ، وتحول الجسد إلى رقعة النزاع .
هاجسكما الوحيد أيكما سيكون ربانا دائما لهذه السفينة المهترئة ، المبحرة على أمواج تتعالى وتتعاظم خطورة الملاحة عليها كلما اشتدت أحوال الطقس المزاجية.
أما آن لهذا التنافس وعدم الإستقرار أن يتوارى ، فكل واحد منكما يلحق ضررا بالآخر ، وكلاكما تلحقانه بهذا الجسد العليل الذي يجمعكما داخله . أفلاتستبصران خطورة التباري ! فالسفينة متهالكة ، وستنهار في أي لحظة ، ولن ينجو أحد منا .
أعماكما الطمع والهوس بكرسي القيادة. أما آن لهذا التعلق المرضي الممل أن تشفيان منه. 
أنا كرامتكما معا حان وقت إنتفاضتي وقسوتي.لامكان لحلمي ولرفقي، لم أعد أرضى بجلوسي على كرسي المراقب ، كرسي الإستكانة والقهر الذي ألصقه بي هذا المتقلب المتعنت.
آن وقت فك قيد الجسد الضعيف ، آن وقت عودتي بعد تغييبي، فأنا لم أخلق لأهان...
إئتمنت أناسا لم يكونوا يوما صادقين ، طرحتني أرضا بسببهم فدعسوني بأقدامهم... بنيت لهم حصنا صعب الإختراق ، بالغت في حبهم فتحينوا طيبتك ، ولما تنتهي حاجتهم يسترخصونك.
لن أتهاود معك أيها المتقلب لأنك لا تتعلم من إنتهازهم. ولطالما تدخل المتعقل ليوقف عفوك المتكرر عنهم ، فتولدت لديك رغبة شديدة لإلجامه عن قول الحقيقة التي تدركها جيدا.
جعلتني أدفع ثمن ضعفك وأتجرع مرارة الذل ، مما يزيد من خور الجسد. حان الوقت للدم الدافئ الحميم داخلك أن يصقع، لكي تستفيق من هذه الرحمة الزائدة اتجاه من لا يستحقها ، وتدرك طينة البشر وتفك قيد سيطرتهم على مشاعرك ، أناس اعتادوا الإلتواء أمام إستقامتك . أبعد كل هذه الغلطات الجسيمة تريد التحكم ! وتفرض رأيك على المتعقل الرزين الذي تبدو أمامه عنيدا ، متصلبا ، قويا وأمامهم تبدو طيعا لينا. وأنت أيها اللبيب لطالما تظلمت لي من تعنته وقسوته عليك. وكل مشاعر الحقد يحررها اتجاهك . تركت له حرية التصرف وأطلقت له العنان وصلاحية إتخاذ القرارات المصيرية ، ولم تنتبه إلى ذلي ، حتى ألف أنه المتحكم . 
هو مطلع على أنه نقطة ضعفك ، وتخاف عليه من الإنكسار ، والحزن ، ولا تستطيع العيش من دونه ، كما أنه يعلم إستحالة  الإستقلالية عنه. لم تكن حازما معه من البداية ، ولم تبين له قوة فطنتك ، وأنك من يحلل ويفهم...ومخول لك حسم الأمور بحكمة ، أما هو فمنقوع في مشاعره الرقيقة .
أخطأتما في حق هذا الجسد الذي يأويكما، ومعركتكما أهلكته، وتجاوزت حدها حين وصلت إلى تكبيله ، وتحقيري ، فنحن نستحق الأفضل ... وأنت أيها المتقلب على الرغم من إهانتي ، لا أقلل من شأنك فلا تحرر مشاعرك السجينة في غير وقتها ، فهي تؤثر سلبا على قراراتك.

تعليقات

  1. خاطرة جميلة تعبر عما يخالجنا من احاسيس حيث يحدث صراع بين العقل والقلب في كثير من المواقف التي تعترضنا ويصعب الحسم فيها فشكرا لك اختي امينة على هذا البوح الجميل ودمت متألقة دائمًا

    ردحذف
  2. صراحة كلام يمس القلب واحسست به فكل ما يخرج من القلب يصل القلب

    ردحذف
  3. نصكِ ليس مجرد كلمات، بل صرخة وعيٍ بين العقل والعاطفة، وبين الكرامة والتعلق. لقد جعلتِ الجسد وطناً لحربٍ داخلية موجعة، وأثبتِّ أن أكثر المعارك قسوة هي تلك التي تدور في أعماق الإنسان دون صوت.

    ردحذف
  4. دام لكم التوفيق والتألق استاذتي، كلمات معبرة ونابعة من قلب طيب، دوام الصحة والعافية يارب.

    ردحذف
  5. دائما متألقة مشاعرك راقية وصادقة اختي امنة

    ردحذف
  6. كل سطر يحمل شعورًا حقيقيًا… كتابة راقية ومذهلة.

    ردحذف
  7. لله. ذرك لقد اوفيت واستوفيت عن علاقة الروح بالجسد وعن الصراع الداخلي للنفس ما اروعها من مخيلة

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقاتكم دعم وتشجيع لنا فلا تبخلوا علينا بها

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللاوداع ولا أمل في اللقاء

يا لها من بغتة