خميس السراب





لو خيرت بين الأمس واليوم لاخترت الأمس ، فجلسة الأمس الدافئة كانت مزينة بالمكسرات ورائحة القهوة معطرة الهواء ، فيها لحظات البوح تحلق هنا وهناك وبتلقائية تتمايل بين القسوة والليونة . كم تشبث بها ، أحببتها كيفما كان مزاجها ، فيها صدق حديث روحي يسبق صدق حديث لساني . ألفة المكان بلغ مداها السماء ، وشجرة الذكريات تورد كل خميس وعلى أوراقها أطرز الأحلام .

اليوم بارحنا المكان فصار موحشا بسبب ريح حارقة رشقت سهاما قاتلة لجلسة الخميس البهية ، فغاب طيب القهوة وسحب معه المكسرات ... أفل كل شيء بهيج ...

ريح حارقة لفحت جميل الذكريات ...ولفحت الأحلام المطرزة . ريح حارقة خلفت وراءها ندوبا عميقة ومؤلمة ، خلفت روحا كاتمة لصرختها المتمردة ، ومتمسكة بما تبقى من كرامتها ، خلفت جسدا ململما لجراحه ، تائها غير باحث عن طيب القهوة ولا عن المكسرات... مدركا بمرارة أن الأحلام لم تطرز على الأوراق وإنما على الماء والرمال ، مدركا بمرارة أن كل شيء ممتع تحول إلى سراب ...جسد تائه باحث عن موضع بعيد ومقفر يحضنه لعله يوقف نزف جراحه ، وتطلق الروح صرختهامن شدة ألم الذاكرة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللاوداع ولا أمل في اللقاء

فائقة الحسن

أرجوحتي